فخر الدين الرازي

140

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : قوله : هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ فيه فوائد : الفائدة الأولى : أنه تعالى سمى نفسه هاهنا باسم اللّه . ثم قال عقيبه : هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وفيه تنبيه على أن كونه إلها يوجب قبول التوبة ، وذلك لأن الإله هو الذي يمتنع تطرق الزيادة والنقصان إليه ، ويمتنع أن يزداد حاله بطاعة المطيعين وأن ينتقص حاله بمعصية المذنبين ، ويمتنع أيضا أن يكون له شهوة إلى الطاعة ، ونفرة عن المعصية ، حتى يقال : إن نفرته وغضبه يحمله على الانتقام ، بل المقصود من النهي عن المعصية والترغيب في الطاعة ، هو أن كل ما دعا القلب إلى عالم الآخرة ومنازل السعداء ، ونهاه عن الاشتغال بالجسمانيات الباطلة ، فهو العبادة والعمل الحق والطريق الصالح ، وكل ما كان بالضد منه فهو المعصية والعمل الباطل ، فالمذنب لا يضر إلا نفسه ، والمطيع لا ينفع إلا نفسه . كما قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] فإن كان الإله رحيما حكيما كريما ولم يكن غضبه على المذنب لأجل أنه تضرر بمعصيته ، فإذا انتقل العبد من المعصية إلى الطاعة كان كرمه كالموجب عليه قبول توبته . فثبت أن الإلهية لما كانت عبارة عن الاستغناء المطلق ، وكان الاستغناء المطلق ممتنع الحصول لغيره ، كان قبول التوبة من الغير كالممتنع إلا لسبب آخر منفصل ، أو لمعارض أو لمباين . الفائدة الثانية : في هذا التخصيص هو أن قبول التوبة ليس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما إلى اللّه الذي هو يقبل التوبة تارة ويردها أخرى . فاقصدوا اللّه بها ووجهوها إليه ، وقيل لهؤلاء التائبين اعملوا فإن عملكم لا يخفى على اللّه خيرا كان أو شرا . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : قبول التوبة واجب عقلا على اللّه تعالى . وقال أصحابنا : قبول التوبة واجب بحكم الوعد والتفضل والإحسان ، أما عقلا فلا . وحجة أصحابنا على عدم وجوب قبول التوبة وجوه : الأول : أن الوجوب لا يتقرر معناه ألا إذا كان بحيث لو لم يفعله الفاعل لاستحق الذم ، فلو وجب قبول التوبة على اللّه تعالى لكان بحيث لو لم يقبلها لصار مستحقا للذم ، وهذا محال ، لأن من كان كذلك فإنه يكون مستكملا بفعل القبول ، والمستكمل بالغير ناقص لذاته وذلك في حق اللّه تعالى محال . الثاني : أن الذم إنما يمنع من الفعل إذا كان بحيث يتأذى عن سماع ذلك الذم وينفر عنه طبعه ، ويظهر له بسببه نقصان حال ، أما من كان متعاليا عن الشهوة والنفرة / والزيادة والنقصان لا يعقل تحقق الوجوب في حقه بهذا المعنى ، الثالث : أنه تعالى تمدح بقبول التوبة في هذه الآية ، ولو كان ذلك واجبا لما تمدح به ، لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم . المسألة الخامسة : ( عن ) في قوله تعالى : عَنْ عِبادِهِ فيه وجهان : الأول : أنه لا فرق بين قوله : عَنْ عِبادِهِ وبين قوله : من عباده يقال : أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك . والثاني : قال القاضي : لعل ( عن ) أبلغ لأنه ينبئ عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت ، وأقول : إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة ( عن ) على هذا المعنى ، والذي أقوله إن كلمة « عن » وكلمة « من » متقاربتان ، إلا أن كلمة « عن » تفيد البعد ، فإذا قيل : جلس فلان عن يمين الأمير ، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله : عَنْ عِبادِهِ يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعدا عن قبول اللّه تعالى له بسبب ذلك الذنب ، ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه ، وبعده عن حضرة نفسه ، فلفظة « عن » كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب .